فلنطفئ النيران

١

أحيانًا لا يجدي المسير نفعًا، يمر الوقت أو لا يمر، أنا لا أشعر به على أي حال. أقف أمام مرآتي عاريًا، أتأمل جلدي، كم ضعف جسدي وكم اختفيت، يسرد كل شبرٍ من جسدي قصصًا يومية عن محاولات الأكل، وترتيب موعد الوجبات، وخطط الطبخ مع الأصدقاء، وكل ما يذهب هباءًا لأني لا آكل ما يكفي في النهاية.

لا أعرف متى بدأ الأمر، ولكني أصبحت أفقدني بالتدريج، ولست أدري هل أعاني من اكتئابٍ أم أنني أفقد السيطرة بطيئًا.

من أنا على أي حال؟ لا شيء يشعرني بالاكتفاء، لا الصحبة ولا الجنس ولا الموسيقى ولا النوم الذي أنساه في أغلب الأيام. هنالك خواء يأكل من رأسي، وجسدي يعاقبني، يسلبني سلطتي عليه، ينتقم مني.

بحق كل الأيام التي نسيت أن آكل أو أشرب فيها، بحق النوم الذي ضيّعت حتى غطى الضباب عقلي، بحق تدميريتي وألمي الذي أخفيه من دون حتى أن أدركه. فليذهب عقلي وتمحى أفكاري، فلتفنى ذاكرتي وأموت.


٢

قد يتجاوز الإنسان ألم الفقد بمرور الوقت، لكنه لا يستطيع الفرار من ظل الخوف الذي يطوي بجناحيه كل شيء، كعرضٍ جانبي لاستكمال الحياة.

أن تملك كل ما تريد، ولا تشعر بشيء، أن يمتلئ عالمك بالناس، وصدرك قابع في وحشة قاتمة. أن تعيش بلا خطط، أو إدراك للوقت، ويصبح النوم موتًا صغيرًا تستريح به من آلامك الأزلية.

أقف يوميًا أمام مرآتي في حضرة هشاشتي، لأفكر كيف لي أن أحمي قلبي وأنا مقبلٌ على العالم من حولي بإندفاعية طفل يود أن يكتشف الحب للمرة الأولى، أن يشعر بكل شيء ألف مرة بشغف تلك اللذة الأولى. أي خوفٍ هذا الذي تخافه من إيكاروس بعدما تهاوى وأدمى جناحيه وتخلى عن غضبه وأسقط دفاعاته واستسلم آملًا أن يراه الناس ولو لمرةٍ بما هو عليه فعلًا.

لا أقوى على إنقاذي اليوم، ولست أدري من أين تأتي القدرة على استكمال المسير، ربما لأني لا أسير حقًا، أجلس مكاني، أنهي عملي بصعوبة لا أعهدها، أشعر برأسي ينكمش ولا تتملكني إلا رغبة في الاختباء بين أذرع تلمسني وكأنها تراني وتدركني.

أكتب لأنه لم يتبق إلا بعض الكلمات، لأساوم بها الحياة على يوم آخر، الكتابة هي آخر ما أتشبث به كي لا أرحل. أو ربما أكتب لأنادي غيث السماء الذي لا يأتي أبدًا، أو أستغيث بربٍ أصم بينما تنطفئ شمعتي الوحيدة بطيئًا. ربما أمسي في حالٍ أفضل، وربما لا أفتح عيناي غدًا، في كل الأحوال، لن أصلي لرب الاحتمالات هذه المرة. تريدها أكثر ظلمة؟ فلنطفئ النيران.

١٩ سبتمبر، ٢٠٢٢