جيف باكلي: أغنية وداع غير معهود

“ضحيت بمجهوليتي لأجله، كما ضحى هو بي بحثًا عن الموسيقى”

-جيف باكلي، في حفل تكريم والده، الموسيقي الراحل، تيم باكلي

مع حلول صيف 1996، كان جيف وفرقته قد بدؤوا العمل على تسجيل عينات مبدئية من ألبومه الثاني. خلال هذا العام استمر جيف في ترحاله بين نيويورك وممفيس حتى استقر في الأخيرة، وبدأ في تقديم عروض أسبوعية في مقهى صغير يدعى بارسترز، حيث وجد ما افتقده من ألفة مقاهي نيويورك الصغيرة، التي بدأ مسيرته بالغناء فيها. ألِف المكان حتى إنه كان يغسل الصحون بعد كل عرض.

كانت طائرة فرقته على وصول يوم الخميس، 29 مايو/ أيار 1997، ليلتقوا مرةً أخرى ويستكملوا التسجيل، ترك جيف  مدير أعمال الفرقة جين بوون يذهب ليصطحبهم من المطار، ونزل هو يطوف بصحبة مساعد الفرقة كيث فوتي في أنحاء تينيسي بشاحنة صفراء استأجرها الأخير منذ طلوع اليوم، باحثين عن الساحة التي استأجرتها الفرقة للبروفة، لكن بلا أمل. ما كان يفترض به أن يكون على مقربة منهم، ليصلا إليه سريعًا ويمكثان به قبل وصول بقية الفرقة، تحول إلى جولة من التيه والإجهاد في وسط المدينة. الرحلة التي لم تكن لتزيد على 10 دقائق، استمرت لساعات، ولا أثر لذلك المبنى أحمر القوالب، حتى أدركا أخيرًا أن هناك خطبًا ما في وصف الطريق.

اقترح جيف على فوتي أخذ قسطًا من الراحة عند النهر، وكان جيف قد رفض اقتراحه لتوه بتناول العشاء في أحد المطاعم. توقفت شاحنتهم قرب وسط المدينة، سحب جيف الجوكبوكس معه، ونزل فوتي بجيتاره، ليقعدا أخيرًا على الخط الساحلي لنهر المسيسيبي، عند نهر وولف الراكد، ذلك الذي يبدو كذبًا كبحيرة.

بعد دقائق من السكون على ضفاف النهر، لم يحتمل جيف اشتداد حر ممفيس، خلع معطفه ونزل ليسبح بثيابه كما اعتاد دومًا، تعجب فوتي وسأله عما يفعل. تجاهل جيف سؤاله، طافيًا على ظهره فوق التيارات الهادئة، وباحثًا عن سلامٍ مؤقت من صخب أفكاره وقلقه حيال الوقت الذي يمضي بلا رجعة، وكل الحيوات المؤجلة.

نجح ألبومه الأول لكن، ليس بالنحو الصاخب الذي توقعه الجميع، وعلى مدار الأشهر الماضية، لم تسترح أفكاره رغم انتهاء جولة الألبوم واستعداده لتسجيل الثاني. من المفترض أن تبدأ اليوم خطوات جادة أكثر نحو ذلك الإصدار المؤجل، بعد أكتر من محاولة غير موفقة للبدء، لكن جيف لا يزال خائفًا، وحائرًا حول صوته وهويته.

نظر جيف إلى السماء وبدأ يُهدئ نفسه مغنيًا كورس أغنية “Whole Lotta Love“ لفرقته المفضلة ليد زپلين، لاحظ أن صدى المرفأ يجعل صوته قريبًا من روبيرت پلانت. ضحك فوتي على الخاطرة ثم انشغل بسحب الجوكبوكس بعيدًا عن الماء.

“تريد الكثير من الحب، تريد الكثير من الحب”.. أراد جيف الحب، والراحة، فطفى وذهب الماء به بعيدًا، ومرت بضع قاطرات على مقربة منه، خلقت حولها موجها الذي امتد إليه وابتلعه، فلم يقاومه. التفت فوتي إلى الشاطئ بعد ثوانٍ، حيث كان جيف سرقه الموج، بلا أثر. لم تكن هذه هي الحادثة الأولى في نهر وولف الراكد، سبقه اثنان آخران على الأقل إلى الغرق في نفس المكان بنفس العام، سبح جيف حيث ابتلع الموج مراكب بكاملها.

بعد 6 أيامٍ، الأربعاء، الرابع من يونيو/ حزيران 1997، تمام الرابعة و40 دقيقة عصرًا، صادفت عينا أحد رواد مركب “أمريكان كوين” السياحية جثة شاب تطفو على سطح الماء، بالقرب من شارع بيل، الشارع الأشهر في الولايات المتحدة الأمريكية، منشأ موسيقى البلوز. انتشله فريق المركب وعند التحقق من هويته، تأكدت مخاوف أصدقائه، إنه جيف باكلي، وقد انتهى حيث بدأ، على ضفاف أحزان البلوز.

حين رحل، كان قد ترك خلفه ألبومًا واحد، وألبومًا ثانيًا غير مكتمل، والكثير من العينات والتسجيلات، ومسيرة فنية مشتعلة، قصيرة جدًا، كنجم بدأ سريعًا في السطوع عاليًا، أبعد من المنال، ثم انطفأ قبل أن يدركه الكون، ويدرك هو اكتماله الفني الوحيد من نوعه.

١

سكوتي مورهيد

كانت ماري جوبيرت في الثامنة عشرة من عمرها حين وضعت طفلها، جيفري سكوت باكلي، بعد أن هجرها مغني الفولك تيم باكلي، وقد كان في التاسعة عشرة من عمره حينها، رحل بعيدًا، بحثًا وراء غواية الموسيقى، لم يخبر أحدًا أبدًا بذلك الابن الذي لم يعرفه، وتزوجت هي بميكانيكي سيارات يدعى رونالد مورهيد، وعُرف جيف الطفل وقتها بأنه سكوتي مورهيد، نسبةً إليه.

لم يدخل مفهوم الاستقرار إلى قاموس هذه العائلة الصغيرة، كان ثقل الأمومة فادحًا على ماري وهي تحاول أن تجد قوتًا للطفل، تنقلت وتنقل معها من وظيفة إلى أخرى، من مدينة إلى مدن أخرى، من منزل إلى منازل كثيرة، وبين كل هذا تربى جيف في رعاية جدته وخاله جورج وخالته پيجي.

رغم غياب تيم باكلي، لم تغادر غواية الموسيقى ظل طفله، كان لخاله جورج تأثير كبير، أحب مشاهدته يغني الروك آند رول مع فرقته كل عطلة في جراج المنزل وتعلم منه النوم متأخرًا، عرفته جدته على ذ تشامبرز برذرز، وغنت له بالإسبانية على جيتارها الصوتي، ذلك الجيتار الذي بدأ اللعب عليه منذ الخامسة من عمره.

أما ماري، فكانت عازفة بيانو وتشيلو، وفي طريقهما إلى مدرسته كل صباح عرفته على البلوز وموجة السايكدليك روك الجديدة، سويت آند تيرز، كروسبي، ستيلز، ناش، و جايمز براون، و سلاي آند ذا فاميلي ستون، اعتادا الغناء معًا في أرجاء المنزل، وعرفته للمرة الأولى على موسيقى والده تيم باكلي، في الخامسة من عمره، بأغنية “Once I was“.

لم يكن رونالد، زوج ماري موسيقيًّا مثلها، كان ميكانيكيًّا ذا ذائقة موسيقية رائعة، تعرف منه إلى فرقته الأحب ليد زبلين، ثم بووكر تي جونز، جوني ميتشل، وويلي نلسون، كوين، جيمي هيندركس، ذا هوو، وپينك فلويد، وبسببه نمى وعيه بالپروج روك، واكتشف فرقًا مثل جنيسس، ياس، راش.

رغم معرفته بمولد طفله جيف، لم يحاول تيم باكلي التواصل معه أو السؤال عنه، حتى ربيع عام 1974 حين زارت ماري بصحبة جيف منزل تيم وأقاما عنده عدة أيام، قعدوا بعضها على الشاطئ، واندثر تيم بقيتها حبيس غرفته مع موسيقاه، وكان جيف نائمًا غالب الوقت، لم يحاول تيم أن يقول له شيئًا، ولم يرد مكالمته بعد تلك الزيارة، انقطع الاتصال تمامًا حتى توفي تيم إثر جرعة زائدة من الهيروين، في 29 يونيو/ حزيران عام 1975، ولم يخط عامه الثامن والعشرين.

الغناء كنزعة بقاء

في الثانية عشرة من عمره، وسط حضور عائلي حميمي بالمنزل، لاحظ جيف أن رونالد، شرب حتى غلبه النوم بشكلٍ محرج على مرأى الجميع، وليشغلهم عن المشهد، أطلق جيف العنان لصوته فخرج كما لم يألفه قبلاً، غنى أمام عائلته كل أغنية عرفها لـ إلتون جون، وكانت المرة التي اكتشف فيها جيف أن له صوتًا جميلاً، كافؤوه بدولارات فضية.

لكن طفولته لم تكن قط سعيدة، في عينيه كان كل شيء مؤقت، سريع، بنحوٍ يشعره بعدم الأمان، تنقل مع ماري من الساحل الغربي إلى الريف الغربي، أقاما في بيوتٍ لشهورٍ أطول من غيرها، لكنهما لم يدوما في مكانٍ أبدًا. أفضل الأماكن كانت أيضًا أسوأها، لأنه لحظة أن يكوِّن صداقة مع أحدهم، يحين موعد الرحيل من هناك. لم يتوقف سعي ماري للبحث عما وراء الشاطئ الآخر.

“كانت الموسيقى حولي دائمًا، صديقتي وحليفتي ومعلمتي ومعذبتي، لا أذكر غيابها يومًا. حتى عندما استولى عليَّ الغناء”.

في الثالثة عشرة من عمره، حمل جيتاره الكهربي الأول “جيبسون ليز پول” أسود، وقرر أن يصير موسيقيًا، لعب في فريق جاز بمدرسته، وتعرف عن قرب إلى الجاز فيوجن، بعدها أسس فرقة صغيرة في شمال كالفورنيا تدعى Axxis، على اسم إحدى المدن التسع عشرة التي عاش بها.

بالأموال الضئيلة التي كان يكسبها، بدأ تكوين مجموعته الموسيقية المفضلة، كل جمعة يشتري ألبومًا جديدًا، بدأها بـ Physical Graffiti، الألبوم السادس لفرقته المحببة “ليد زپلين”.

في السابعة عشرة من عمره، أراد جيف الاعتماد على نفسه، مَل التنقل مع ماري بين المدن، فغادر المنزل وبدأ يبحث عن عمل، لم يرد وظيفة تقليدية، لأن عليه أن يملأ استمارات تلك الوظائف، ويكتب المدارس التي التحق بها. التحق جيف بأربعة مدارس، حتى إنه لم يُكمل أسبوعين في مدرسة بعينها، بحكم تنقل ماري من وظيفة إلى أخرى. الأمر الذي سبب له حرجًا كبيرًا لم يتجاوزه. لم يكن هنالك خيارٌ غير الموسيقى كمهنة لا كهواية، بدأ يلعب الجيتار مع العديد من الفرق الصغيرة في مشهد لوس أنجلوس الموسيقي، انغمس مع فرقة “ريجي” وانتهى الأمر بهم يلعبون خلف يو روي و جودي موات، كان عليه أن يلعب الجيتار طوال الوقت لكسب قوته، ففعل ذلك.

فور انتهاء دراسته، ذهب إلى هوليوود، والتحق بمعهد الجيتار للتكنولوجيا GIT، أحب دراسة النظرية الموسيقية، إلا أن دراسته هناك لا تؤهله ليكون أكثر من موسيقيّ جلسات، لاعب جيتار ثانوي. هذا ما لم يرغب فيه جيف.

في أثناء ذلك، عمل كنادل مسائي بفندق ذا ماجيك كاسيل، وهناك قابل الممثلة بروك سميث للمرة الأولى حين كانت تصوِّر دورها في فيلم ذا سايلانس أوف ذا لامبس، وصارا صديقين. تلك الصدفة لم تمنعه من كراهية وظيفته.

تعرف جيف على الممثل والموسيقي كريس داود عن طريق صديقته عازفة الدرامز، كارلا آزار، كان -وما زال- كريس عازف ترامبون وكيبورد ومغني فرقة فيشبون، التي أسسها في نهاية السبعينات، لعبت الفرقة مزيج من الپانك والفانك والميتال والريجي والسول والسكا. ما جعلها تجربة مناسبة جدًّا لجيف الشاب الذي يبحث عن مكانه، ويسأل الجميع كل يوم “ما هو صوتي الحقيقي؟ هل لي صوت أصلاً؟”

بدأ جيف وكريس وكارلا بلعب الموسيقى معًا بانتظام، أحبوا طاقته وذاكرته الموسيقية الحادة، كان أشبه بجوك بوكس متحرك، كل ما كان على أحدهم فعله، هو ذكر أي أغنية، أي مغني أو فرقة، حتى يرد جيف بالحقبة الزمنية واسم الألبوم، ويقلد أداء المغني والموسيقى بشكلٍ كاريكاتوري عبقري. التقطت أذناه كل أنواع الموسيقى وحفظها عن ظهر قلب، يسمع أي شيء لدقائق معدودة ثم يعيد لعبه أو غنائه كاملاً بلا خطأ واحد.

بالتدريج بدأ يتحول معهم من موسيقي جلسات درس في معهد الجيتار، إلى موسيقيّ شغوف يبدأ أخيرًا في النظر إلى مرآته بلا خوف.

كاد جيف يصير بلا مأوى وقتها، وكان كريس يُحضِّر للسفر في جولة موسيقية مع فرقته، فعرض عليه المكوث بشقته طوال غيابه.

حتى ذلك الوقت لم يكن لجيف باكلي صوت محدد في أغانيه، كتبوا بعض الأغاني معًا، فبدأ باكلي في بناء صوته حول تلك التجارب، وغرق أكثر في ولعه بالموسيقى، سمعها كأنه يكتشفها للمرة الأولى.