هذه هي النسخة الكاملة من النص المنشور على موقع ذات مصر، بتاريخ يناير/ كانون الثاني ١١، ٢٠٢١
في منتصف عام ٢٠١٤، بعد أشهرٍ من احتفال ديفيد بوي بعيد ميلاده الـ ٦٧، وبعد عامٍ من إطلاق ألبوم عودته، “ذ نِكست داي” الذي تلى غيابًا استمر عقدًا بأكمله، عرف بوي من طبيبه أن نتيجة فحوصاته هي إصابته بسرطان الكبد.
لجأ بوي للعلاج الكيميائي، بناءً على توصيات مُلِّحة من طبيبه، وآثر إخفاء الأمر عن الجميع عدا عائلته وعدد محدود جدًا من المقربين.
نظر إلى مرآته وقد تبدَّلت ملامحه وطابقت ملامح أبيه هايوود ستنتون جونز، في آخر أيامه قبل أن يرحل بهدوءٍ إثر التهاب رئوي حاد. انقبض قلب بوي، ثم تذكر أنها ليست الميتة الأولى، لكنها ربما تكون الأخيرة، في حيوات طويلة ومتعددة.
الرجل الذي سقط إلى الأرض
تذكر بوي حلمًا أخيرًا مؤجلًا منذ شبابه. جلس مع صديقه المنتج المسرحي روبيرت فوكس وأخبره أنه يريد كتابة مسرحية موسيقية بعنوان “لازاروس”، أما القصة نفسها فستكون تتمة لقصة الفضائي “توماس جوروم نيوتن” التي قدّمها في فيلمه “الرجل الذي سقط إلى الأرض” والمقتبس عن رواية الأميركي والتر تيڤيس والتي تحمل نفس الاسم، رشَّح له فوكس التعاون مع الكاتب المسرحي “إندا والش” في كتابة العمل واستقر اختيار بوي عليه بعد شهرين.
جاء نيوتن الفضائي إلى الأرض لجلب الماء والعودة لإنقاذ كوكبه المحتضر، لكن سُبُل عودته تعقّدت بعد اكتشافه تأخر التقنيات على الأرض بما لا يسمح له بتطوير وسيلة لنقل الماء عبر مركبته والعودة، استمر لسنواتٍ يحاول تطوير مركبته، وحينما أوشكت خطته على النجاح، اعترضته الحكومة الأميركية، وتحطمت آماله. ولم يبق أمامه خيار إلا البقاء والتعايش بالمخدرات والكحول، متخفيًا تحت جلد بشري لا يشبهه، تفاقمت مشكلات جسده وحواسه التي ضعفت، فظل يحتضر بلا نهاية. بعد أن كان أمله أن ينقذ كوكبه من الفناء، صار يحاول إيجاد مفر يُسهِّل موته في سلامٍ بلا ألم.
قبل أن تنطلق ورشة إعداد المسرحية، بعث بوي برسالة إلى روبيرت فوكس يطلب منه أن يذهب إلى مكتبه في نيويورك. عندما دخل فوكس مكتب ديڤيد بوي، كان ينتظره في مكالمة على سكايپ. حدثه عن صعوبة تواجده المستمر طوال انعقاد الورشة، وأنه سيبقى مشاركًا عن بُعد، ثم أفصح له عن خضوعه للعلاج الكيميائي، وأنه يعاني من السرطان، على أن يظل الأمر سرًا بينهما.
موت وحيوات كثيرة
لفهم فصله الأخير، حيث منحنا ديفيد بوي ألبومه الأخير، بلاكستار، رسالة وداعه، نرجع مرةً أخيرة إلى كل تلك المرات، التي جالس فيها بوي موته، رآه عن قُرب، نظر تمامًا في عينيه، وعرف رائحته، فتهاوى كل شيء أمامه، ثم بُعث من ركامه، جديدًا، ليغني وكأن شيئًا لم يكن.
طوال مسيرة استثنائية استمرت خمسة عقود ونصف، وبرغم تحققه كواحد من آخر آلهة الروك غزيري الإنتاج، لم يكن بوي بغريبٍ عن الموت وإعادة التجسُّد. فمنذ انطلاق مسيرته الفنية مطلع ستينات القرن الماضي، لم يكفّ ديفيد بوي عن تحدي ذواته المتعددة، سواء كموسيقي، أو كاتب، أو منتج، أو ممثل، أو مخرج، أو فنان تشكيلي.
بعد ثلاثة أشهر من رحيل والده، كانت ميتة بوي الثانية. في محاكاةٍ لعزلته وعدم تآلفه مع عالمه المحيط وسعيه المستمر إلى السمو بروحه عاليًا، بُعث بوي في جسد شخصيته الأولى “الرائد توم” إلى الفضاء في مهمة انتحارية، وتركه حبيسًا، ليضيع ومركبته بلا أمل، ويشاهد الكون من حوله عبر زجاج كبينته بينما ينتظر في صمتٍ نهايته الحتمية بعد انقطاع اتصاله بالأرض.
ولأن بوي تعلق منذ الصغر بأخيه غير الشقيق “تيري برنز” وكَبِر في رعايته، انفطر قلبه حين بدأت تظهر عليه أعراض انفصامية، ثم تضخم ذلك الرعب الصامت تحت جلده إلى هلع مستمر، كان تيري امتدادًا لتاريخ مُعتِم من المرض النفسي الموروث في عائلة أمه وكثيرًا ما سمعها تقول إنها بذرة سامة، تلك التي خرجت منها العائلة. اعتقد بوي أن دوره قد أتى ليلحق بذلك الإرث.
حاول الهرب من هلعه الدفين بينما يلاحقه مرضه العقلي المحتمل من حينٍ إلى آخر، حتى أنه كتب عن ذلك “الرجل الذي باع العالم“. ذلك الرجل هو ديفيد بوي نفسه، بعد أن بدأت هلاوسه في التمدد وزاد خوفه من أن يفقد إحساسه بالواقع من حوله، اختار بوي وقتها أن يتوسع في تخفيه وراء شخوصه وعوالمه المتخيلة على أن يصطدم بكابوسه، وبدأ يجمع القصاصات ويعيد تكوين عالمه.
استحضر بوي “زيغي ستارداست”، نبيًا فضائيًا أندروجيًا، لينقذ الأرض من نهايتها المتوقعة بعد خمسة أعوام على يد “الأبديين”، ويضرب سماء الروك آند رول بأحمر شفاهه، ويصنع الغِلام روك.
في كتابه “بوي” يحكي الفيلسوف الإنجليزي سايمون كريتشلي، عن تلك المرة، التي شاهد فيها بوي على التلفاز للمرة الأولى. كان في الثانية عشر من عمره، حين رآه وتغيَّر كل شيء للأبد.
يقول كريتشلي: “بدأ كل ذلك، كما حدث بالنسبة لكثير من الأولاد والبنات الإنجليزيين العاديين، مع أداء بوي “ستارمان” على برنامج بي بي سي الآيقوني توب أوف ذ بوبز، في السادس من يوليو/تموز ١٩٧٢، والعرض الذي شاهده أكثر من ربع سكان بريطانيا. انخلع فكي ذهولًا بينما شاهدت هذا المخلوق برتقالي الشعر في حلة قطة، يرخي معصمه حول كتف ميك رونسون. لم تكن جودة الأغنية هي ما باغتني؛ بل كانت صدمتي الغامرة بهيئة بوي نفسه. بدا صاخب الجنسانية، ماكر، غرائبيًا للغاية. ممتلئ بذاته وهش في آنٍ واحد. تخفي عيناه معرفة خبيثة — بوابة إلى عالم اللذات المجهولة.”
مع مرور الوقت، لاحظ بوي اختفاء كيانه تحت جلد شخصية “زيغي”، فقرر قتله. ترك الأبديون يأتون إلى الأرض ويمزقونه أربًا أربًا على المسرح ويحتلون الأرض، في انتحار دامي للروك آند روك.
“أنا كاتب القصص وراويها. وقد فضَّلتٌ منذ البداية أن أصنع الشخصيات التي أكتبها على أن أؤديها بنفسي، صحيح أنني أؤديها بنفسي الآن، ولكني في المستقبل حين أنتهي مما أود تحقيقه الآن، سأعود لكتابة القصص، وتمثيلها مرة أخرى، لا يهمني ما يقوله الناس، لأني أحب ما أفعل، وهذا هو ما سأستمر في القيام به” -ديفيد بوي، حواره مع ديك كافيت، ١٩٧٤

مهَّد بوي تحوّله إلى شخصية أخرى “آلادن ساين”، ببرقه اللامع، ليظل توثيقًا على غواية الكوكايين وصخب الحياة الأمريكية تحت ضغط الجولات وجلسات التسجيل.
خلال ذلك اكتشف بوي أن كل مكاسبه من مبيعات جولاته ذهبت بدون علمه لسداد ديون شركة إدارة أعماله، “ماين مان”. عند هذه النقطة لم يملك بوي ما يكفي من المال لأي شيء، خسر كل ما ملك، وانجرف إلى تيارٍ من تدمير الذات والإدمان، بحثًا عن الرب دون حتى أن يدري، كان وحيدًا تمامًا، منعزل كما كان دومًا، لكن تدهور علاقته بزوجته “آنجي” آنذاك ومحاولاتها للتحكم في مساره الفني، ضاعف رغبته في النزوح بعيدًا عن زواجهم المفتوح، اعتقد أن الكوكايين سبيله إلى معرفة أوسع وأعمق. وعوضًا عن الوصول إلى الرب، انحرفت خطاه وقادته إلى المعادل الأكثر سوداوية لـ”أوبرمنيش” نيتشه.
تلاشى كيان بوي تدريجيًا مع تزايد تعاطيه الكوكايين، وتحت أقدام الدوق الأبيض النحيف، فقد بوي عقله وجسده في آنٍ واحد، ذاب الخط الفاصل بين وعي بوي والدوق، حتى ظهر المسخ الكامل.
فقد وزنه حتى شحب جلده وأبيَّض بشكلٍ جعله يبدو فعلًا -بدون مكياج- كفضائي وصل الأرض لتوه.
اسوَّدت عيناه بالضياع والشرود، وحين تجلى على المسرح، تضخَّم صوته، لمع وتوهج، نيورومانسيًا متحجرًا، يحطم قلوب المحبين، ويرمي الزهر في أعينهم بلا رحمة، من التاج إلى الملكوت، تحطم هو وتحققت أسوأ مخاوفه بأن انفصم تمامًا عن نفسه، وتعاظم هلعه إلى پارانويا دائمة، انغمس في السحر الأسود في محاولةٍ لحماية ما تبقى منه من أخطارٍ لا يراها سواه.
خرج إلى الإعلام مؤيدًا للفاشية واليمين، ومدح هتلر، وصفه بأول نجم روك في التاريخ. كان ألبومه العاشر (ستيشن تو ستيشن) ابنًا لهذه الفوضى التي لم يتذكر منها شيئًا لاحقًا، ثم بينما يكاد كل شيء يتهاوى حوله. ثمة إدراك ظهر بعيدًا واقترب، نَزَع حس العدمية من قلبه، تذّكر “زيغي ستارداست”، حين غنى لآخر مرة رسالة وداعه على مسرح هامرسميث أوديون بلندن وقال: “ساعبر معك عبر الألم/ لست وحدك/ مد يدك إليّ”. تذكر حياته السابقة، وآمن بإنه ليس وحيدًا وأنه لربما كان عليه أن يرحل بعيدًا ويبدأ من جديد.
التحف بما تبقى من ذاته وهرب بعيدًا مع صديقه براين إينو إلى غرب برلين، تاركًا الدوق النحيف الأبيض سجين ذلك الركن البعيد القارص من عقله، نجا وقتما توقع الجميع نهايته المحققة.
كان رحيل بوي إلى برلين عام ١٩٧٦ وإطلاقه الثلاثية الشهيرة (لوو، هيروز، لودجر) مع براين إينو، وروبرت فريپ (مؤسس كينج كرمسن) وتوني فسكونتي أحد أهم التحولات الجذرية في مساره. حيث تعافى من الإدمان، واستعاد نفسه، وتبرأ تمامًا من آراء الدوق المُدمِرة وتأثيره، وعندها أصبح لديه ارتياح ألا يتمسَّك بالغناء عبر شخوص مسرحية كاملة، بل أن يكتفي بتقديم شخصيات متعددة ومحدودة التأثير في قوالب مصوَّرة، ويبقى هو ديفيد بوي على المسرح بلا أقنعة.
سمحت تجربة برلين لبوي أن يعيد تشكيل لغته الموسيقية عبر مساحات تجريبية أكثر طليعية من أي شيء جربه بالسابق، أراد أن يتحدى توقعاته بينما كان الموسيقي براين إينو وقتها يستهل تجاربه الرائدة مع ما نعرفه نحن الآن بالموسيقى الإلكترونية، بعد أن رحل عن فرقة الغِلام والآرت روك، روكسي ميوزك.
ورغم أن ديفيد بوي تعوَّد تجاوز شخوصه الحيَّة سريعًا عند إتمامها فنيًا، لم تنته قصته مع الدوق النحيف مثل البقية. كان حقيقيًا أكثر مما يجب.
في الأول من أغسطس/آب، أطلقت شركة RCA Records “آشز تو آشز”، أول أغنية فردية من ألبومه سكايري مونسترز (آند سوپر كريپز) وهو الإصدار الأول لبوي بعد ثلاثية برلين والأخير مع شركة الإنتاج، شهِد الفيديو المصوَّر استمرار التعاون مع المخرج
في الفيديو، يعود بوي بعد تعافيه بتجسَّده الجديد، المهرج الحزين پييرو، لينهي حسابًا قديمًا مع ماضيه. يبدأ كاسرًا الحائط الرابع في مطلع الأغنية بسؤال للمُشاهد ولذاته: “هل تذكرون رجلًا / من ذاتِ أغنيةٍ قديمةٍ”. ممسكًا بمرآةٍ صغيرة يظهر خلالها ديفيد بوي نفسه متعجبًا: “يا إلهي، لا تقل!” فيرد پييرو ويحدثنا عن تلك الرسالة التي وصلت مركز مراقبة البعثة الفضائية، من ميجور توم، الشخصية القديمة التي لازمت بوي في بداية مسيرته، ورمزيته الأبرز لحالة الضياع والتيه التي قادته للإدمان وكادت تودي به.
“من الثرى وإلى الثرى” يبدأ بوي لازمته بصلاة الدفن المسيحية، لكنه لا يحاول رثاء توم بعد أن ابتلعه الفضاء ولقي حتفه، بل ينقلب عليه تهكمًا “ومن الضياع إلى الخراب، نعرف أن ميجور توم غارقًا، عالقًا بنشوته في أعالي السماء، يهوي إلى أدنى قاع” ليسترسل بأن توم كان جبانًا ارتعد هربًا بالمخدرات نحو العدم، يعلِّق بوي على ذاته القديمة، يسخر منها وينزع عنها قداستها ثم يتمرد عليها بشكلٍ لا يضاهيه فيه أحد.
في الفصل الثاني من الأغنية، يظهر الدوق النحيف الأبيض من خلال مرآة پييرو، وقد حُبس في مكانٍ مظلم وبعيد، وفي اللقطة التالية يقف الدوق مُوصَّدًا بداخل قلب بوي نفسه، ما يفسر عدم قتله له، وتماهيه مع وجوده الدائم كذاتٍ انفصالية تسكن دواخله.
في ألبوم عودته “ذ نكست داي” عام ٢٠١٣، أخرج بوي وصوَّر بنفسه فيديو ريمكس جايمز ميرفي لأغنية “لاف إز لوست”، الذي تضمَّن التيمة الأساسية من أغنية “آشز تو آشز” كلازمة متكررة.
في الفيديو يظهر الدوق الأبيض النحيف على هيئة ماريونيت خشبية، يراقب المهرج پييرو الذي يظهر على هيئة دمية قطنية عاجزة عن الحركة، بينما يقف ديفيد بوي نفسه في الحمام ليغسل يده من آثام الدوق ويقارب المشهد عن بُعد.

يلاحق الدوق المهرج الحزين ويقتله، ثم يصرخ معاتبًا ذاته: ماذا فعلت؟ ويترك ديفيد بوي الخيط. يقتل الدوق المهرج انتقامًا لحبسه في أغنية “آشز تو آشز”، وينسحب بوي تمامًا.
هدية الوداع
علم بوي أنّ فصله الأخير قد حلّ، رغم استمرار علاجه لأشهر، كان قلقه حيال إرثه الموسيقي قد تجلى. بدأ يتأمل كل تلك الحيوات التي عاشها، كل التجارب، كل نجاح، كل سمات الألوهية الفنية التي حققها هو دونًا عن غيره، لم يكن له منافس أو منازع على فنه أو مكانته.
على مدار خمسة عقود ونصف، لم يرد يومًا الاعتراف بما حققه، وظل يومًا بعد يوم يلاحق السماوات لما هو أبعد. ظلت طاقته على الخلق والإبداع حيَّة، لا تنضب ولا تموت. عاش حيواتٍ موازية، مجددًا نفسه ومتخطيًا ذواته، التي لطالما خلقها لمنحه حرية الأداء على المسرح، تمرير مشاعره ومخاوفه التي تعود دومًا على كبحها. تجاوز النقاد ورغبتهم في تعطيله، وابتعد عن تطلعات الجمهور وتوقعاتهم منه أن يظل زيغي. تجاوز الحب وخيباته، والفن وذواته، عاش كل الحيوات، حقق كل شيء، مات آلاف المرات، مع موت أبيه، وانتحار أخيه تيري، ثم مقتل صديقه جون لينون، مات مع موت شخوصه واحدًا تلو الآخر وتجَدد وتجسَّد في عوالم موازية لا تنتهي.
أراد أن يكتب الفصل الأخير من حياته، كديڤيد بوي، متحديًا كل شيء، حتى المرض والموت.
عاش فنانًا متخطيًا لكل الوسائط، لم يهتم طوال مسيرته أن يكون مفهومًا، ولم يحاول تقديم شرحٍ لما أبدعه. علم أن هنالك من سيبذل وقته ويحاول أن يفهمه. لم يبال بالنجاح التجاري حتى أنه عندما حققه على مستوى جماهيري واسع بعد ألبوم “لاتس دانس”، خاف أن يُفقده ذلك قيمته الفنية الخالصة. لم يرد أن يقدم ما يريده المستمع، أراد أن يفرض فنه، من أجل أن يحيا الفن نفسه. لكنه ظل يحاول قدر الإمكان تخفيف حدة ما يقدمه بألا يطلقه في صورته الخام.
توقف ذلك التخفيف كليًا عندما أدرك بوي اقتراب الرحيل. أراد لأول مرة أن يُفَهَم بوضوح، أن يصغي الناس إليه جيدًا، أن يتلقوا رسالته الأخيرة بصدرٍ منبسط وأعين قادرة على البحث وراء الصورة الخام، الحادة، الصادمة بتكشُّفها. وكأن بوي قد اختار في رحيله أن ينتهج الخط التجريبي الجنوني الذي سار عليه ملهمه الأكبر، سكوت ووكر، في تحوله من الصوت الحالم لفرقة فتيان واعدة مثل ذ ووكر برذرز، إلى صوت تجريبي وتجريف لا هوادة فيه من كثافات إلكترونية وجازترونيكا كلاسيكية معاصرة بلا قوالب أو بنية وهلع وصراخ وأداء ميلودرامية سينمائية مركبة كما لو خرجت من أفلام بازوليني، جنون لا يعكس سوى رؤية فنية خالصة.
عاد بوي لاستكمال كتابة ألبومه الأخير والعمل مع صديقه المقرب ورفيق مسيرته، الموسيقي والمنتج، توني ڤسكونتي. خلال المراحل الأولى من العمل، كان بوي يذهب إلى الاستديو فور انتهاء جلسات علاجه الكيميائي، ليسجل وحده مع توني، متخفيًا تحت قبعته، من تحتها ظله الشاحب، وقد تساقط شعر رأسه وحاجبيه.
خلال تسجيل عينات أولية للأغاني، أرادوا الابتعاد تمامًا عن الروك آند الرول، والوصول لصوت مُركب ومغاير تمامًا. يعيد تصور الآرت روك كما لو لعبه عازفو جاز، بينما كانوا لأيامٍ يسمعون ألبوم “تو پيمپ آ باترفلاي” لـ”كندريك لامار”، وبعض إصدارات “دِث غريپس”. كان الميل نحو صوت روك طليعي مكثف يحمل طابعًا من الجازترونيكا، وعلى عكس ما اعتاد بوي مع فرقته الأصلية، أراد أن يجلب فرقة جاز خصيصًا للألبوم.
عرض بوي على الموسيقية وقائدة الأوركسترا ماريا شنايدر الانضمام للعمل، بعد أن عملا معًا على نسخة عام ٢٠١٤ من أغنية”سوو (أور ذ سيزن أوف كرايم). فرشَّحت له الموسيقي وعازف الساكس، دوني ماكسلين وفرقته. ذهب كلٌ من بوي وتوني وماريا ليشاهدوا عرض الفرقة في “ذ فيفتي فايف بار”، بنيويورك، ليستقروا عليهم كفرقة ألبوم.
بدأ تسجيل بلاكستار في استديو “ذ ماجيك شوپ” بنيويورك في مطلع عام ٢٠١٥. انقسم لثلاثة مراحل، وانتهى تمامًا في مايو. خلال عملية التسجيل كانت الفرقة على علم بحالة بوي، لكن ذلك لم يؤثر أبدًا على سلاسة الأمر، كان بوي هادئًا وقويًّا ومرحًا ومازحًا كعادته. بدا جاهزًا، علِم ما يريد فعله تمامًا. كان يمسك المايك وينطلق بثباتٍ بدون إحماء أو تردد، يغني الأغنية على مرةٍ واحدة. لم ينظر خلفه أبدًا، ولم يجلس لينتظر.
لتصميم غلاف الألبوم، كان بوي يتعاون مع المصمم البريطاني جوناثن بارنبروك منذ ألبومه “هيثن” (٢٠٠٢). وعلى عكس كل المرات السابقة، دعا بارنبروك إلى مكتبه بنيويورك ليسمعا الألبوم النهائي سويًا ويتناقشا في الأفكار المحتملة للتصميم، دار حديثهم حول الموت كتيمة عامة بدون أن يُلاحظ مرض بوي الذي أصبح يجيد إخفائه مع الوقت.
جاء تصميم الغلاف النهائي بلا صورة لبوي، فقط نجمة سوداء كدليل التجسُّد الجديد، واسمه “bowie” مكتوبًا بترميز النجوم أدناه.
ظهر المقطع الأول من أغنية “بلاكستار” لأول مرة في تتر بداية مسلسل “ذ لاست پانثرز” للمخرج يوهان رينك (مخرج مسلسلي تشرنوبل وبريكينج باد)، واتفق بوي مع رينك على إخراج الفيديو المصوَّر لها ليصدر منفردًا قبل إطلاق الألبوم.
فكر بوي بالطبع في موته حين كتب فكرة الفيديو، لكن إنتاجه يحمل عادة طبقاتٍ من معانٍ مكثفة أبعد تحت المعنى الرئيسي. في حالة بلاكستار، ينظر ديفيد بوي إلى مراحل تطور العقل البشري عند عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية الاسكتلندي، جايمز فريزر، عصر السحر، عصر الدين، عصر العلم، بلمسة من العود الأبدي كما رأه الفيلسوف الألماني فريديك نيتشه.
حملت رسوم شخصيات فيديو بلاكستار التي صممها بوي وأعطاها لرينك شخصيتين يقدمهم بوي بنفسه أمام الكاميرا: النبي المحتال أو تريكستر بوتُن آيز، والمبُشر وشخصيتين أخرتين ترمزان لبوي في حياته: رائد فضاء ميت، تتزين جمجمته بالحلي والأحجار (الرائد توم) ورجل المآتة معصوب العينين على الصليب.
يبدأ فيديو بلاكستار عند “الرائد توم” رمزية لإله عصر العلم، ميتًا في بدلته على سطح المريخ، بلا أثرٍ حوله لأي حطام. تدخل فتاة فضائية بذيل فأر (إشارةً إلى فتاة أغنية لايف أون مارس)، تفتح غطاء خوذته، تبتسم وتأخذ جمجمته المزيَّنة وتذهب بها إلى حلقة من النساء اللاتي يؤدين شعائر حركية شهوانية، في منتصف الحلقة، تدخل فتاة أخرى وتركع، لتُوضع الجمجمة على مؤخرة رأسها. يحدث ذلك المشهد في عصر السحر، بينما يغني ديفيد بوي في الخلفية “يوم القربان، تركع النساء وتبتسم”.
ينتقل المشهد الثاني إلى عصر الدين، حيث أتباع يؤدون نفس الحركات بعنف أكبر، تعبُدًا لإله رمزي غير موجود في الغرفة، هو النبي المحتال، أو التجسُّد الأخير للدوق النحيف الأبيض، إشارةً إلى العمى الروحاني الجمعي الذي حمله هذا العصر، والانفصام الذي أصاب بوي في منتصف مسيرته.
في المشهد الثالث، يضيق المُبشِر عيناه خوفًا حين يرى الفتاة ذات ذيل فأر، يعلم أن نهايته قد حلت. حين يمرض الإله ويقترب احتضاره، يتم التضحية به سرًا، حفاظًا على تلك الصورة المثالية في مخيلة أتباعه.
يرسم ذلك رمزية مركبة لما فعله ديفيد بوي بنفسه حين علم بمرضه، قدم نفسه قربانًا، حوَّل موته إلى عمل فني أخير، لا نرى فيه مرضه ولا عجزه ولا شحوب جلده، بل نراه إلهًا كاملًا، امتثالًا لأسطورته الحاضرة دومًا كواحد من آلهة روك السبعينات.
بموت آلهة العصور الثلاثة، “ميجور توم” والنبي المحتال (الدوق النحيف)، والمُبشَّر، يتم تقديمهم، ثلاثة رجال مآتة، معصوبي العينين على الصلبان، قربانًا لذلك الوحش المسعور الذي استحضرته النساء في حلقات شعائرهن. ثلاثة انعكاسات جوفاء لتصور العالم عن الإله بلا أعين ولا صوت، يتراقصون بعنفٍ على الصلبان ويصرخون فلا تسمع إلا الريح تعوي من حولهم في تلك الحقول الموات.
يجسد ذلك المشهد الأخير معادلًا بصريًا باهرًا لقصيدة “الخاوون” للشاعر البريطاني تي إس إليوت، حين قال:
فصوتنا يباب
بلا معانٍ نحن خامدون
كالريح تعوي في يابس الحقول والفجاج
أو أقدام جرذان فوق مهشم الزجاج
ونحن في قبونا السراب
شكل بلا جسد
ظل بلا ألوان
(…)
هذي هي الأرض الموات
هذي هي أرض الصبار
هنا صور الحجر عالية
تلتقى دعوات التوسل والرجاء
من أكف ميتة
تحت تلألؤ نجمة بالية

تبدأ الأغنية وتنتهي بالعودة إلى مقطع الأول “في أرض أورمن/ تنتصب شمعةً وحيدة في المنتصف، هي عيناك”. في رمزية للموت البطيء، وكتقليدٍ مسيحي، توقد شمعة واحدة لمن أوشك على الرحيل، يخفت ضوؤها معه بينما يحتضر، وتموت برحيله.
قُتل آلهة العصور الثلاثة في النهاية، يعني أن الثلاثة عصور حدثوا بالتوازي في نفس ذات الوقت وفي أماكن مختلفة، وستظل تحدث وتكرر في حركة دائرية للزمن، عودًا أبديًا، نتوهم فيه كل مرة أننا نصل إلى إجابة الوجود، بينما نصل إلى نفس النتيجة بلا وصول لفهم حقيقي للعالم من حولنا. هكذا يودع بوي شخوصه التي حاول استكشاف العالم عبرها، باستنتاج أخير أنه بعد هذه الرحلة الطويلة لم يصل لإجابة حتمية.
لطالما تشكك بوي في قدرته على التعبير عن نفسه بغير الفن، لذلك بينما أخفى عن الجميع اقتراب رحيله، ترك ألبومه الأخير بوابة لدخول عقله النابض، لنستكشف ذلك التباين الحاد بين شجاعته في مواجهة الموت الحتمي، وغضبه المتفجر أنه لن يستطيع الغناء مجددًا، وخوفه من المجهول، ذلك الآتِ الذي لا يعلم له إجابات.
في بلاكستار يصرخ بوي ويستغيث بين انبهار وانكشافٍ وهلع لا يعرف إجابة لما بعد الموت: “أنا نجمٌ أسود، لست نجمًا سينمائيًا، أنا نجمٌ أسود، لست نجمًا إباحيًا، أنا نجمٌ أسود، لست نجمًا ضالًا”،متمسكًا بكينونته غير المادية، متخليًا عن شخوصه الفانية، في مشهدٍ يحلق فيه أخيرًا إلى السماء، بينما يبكيه محبوه مستكملين رحلته من حيث انتهى.
قبل تصوير أغنية لازاروس، التي أخرجها يوهان رينك أيضًا، علم بوي أنه على أعتاب الرحيل بعد تأخر حالته وفشل محاولات العلاج.
في الفيديو ينازع بوي بلا صوتٍ على فراش موته الذي يقع تمامًا في منتصف الغرفة. تحت ذلك الفراش تتخفى نفس الفتاة ذات ذيل فأر، وكأنها انتظرت موتهم واحدًا تلو الآخر.
خلال احتضار بوي في فراشه، يخرج “الدوق الأبيض النحيف” من الدولاب، يجلس على المكتب بجانبه جمجمة “الرائد توم”، ويبدأ بالكتابة بهلع، في سباقه الأخير مع الموت، مُجسِدًا رغبة ديفيد بوي في حالته الكابوسية بينما يسابق الزمن لكتابة نهاية تليق بإرثه الإلهي.
بعد الصخب والهلع، يهدأ الزمن وإيقاع بلاكستار في نصفه الثاني، تحديدًا مع أغنية “دولار دايز” حيث يصل بوي إلى تساميه الأخير، نسمع في صوته شيئًا من الارتياح والهدوء، بينما يستعيد أيامه الذهبية ورعونة شبابه في نيويورك مودعًا. ويخبرنا بتكشّفٍ هشّ: “لا تصدق لوهلةٍ أني قد أنساك، أنا أحاول، لكني أحتضر”. ومثل شخصية جو جديون من فيلم “أول ذات جاز”، يستسلم بوي مدركًا رحيله الوشيك. تحت كثافة أتموسفيرية ملحمية من الساكسفون وجمل الغيتار الكهربائي والسينث. بينما يعبر نحو الموت بالأغنية التي اختارها لتكون أغنية البجع، خاتمته المسرحية، “آي كَانت غِڤ إڤريثينج أواي” التي تستعيد جملة الهارمونيكا من أغنيته “آ نيو كرير إن تاون” التي قدمها في ألبوم “لوو” عام ١٩٧٧، فيما يمضي بوي قدمًا بصدرٍ منفتح على المجهول. معلنًا عودته، ابنًا ضالًا من حيث أتى، لكن هذه المرة، عكس ميجور توم، من الثرى صعودًا إلى الثريا، تاركًا تفسيرًا أخيرًا لإخفائه مرضه بينما يقول: “لا يمكنني التخلي عن كل شيء”، في حالة موسيقية تحتفل بتساميه الأخير، يصل بوي إلى نهاية الممر، ويعبر بسلامٍ إلى السماء.
اختار بوي أن يُخلَّد بمجده، لا بمرضه. ضحى بنفسه، صانعًا من رحيله المدمي عملًا فنيًا أخيرًا، واختار موتًا رحيمًا ينتزع به نهاية فصله الأخير من أنياب الموت، أبيًا أن يمضي بهدوءٍ في ذلك الصباح البديع.
1 أحد أهم مخرجي الموسيقى المصورة أواخر السبعينات، بحصيلة إخراجية ضاربة تضم أسماء مثل كوين، تينا ترنر، پيتر غابرييل، ذ رولينج ستونز، جون جيت، بيلي آيدول، ديف ليپارد، آيرون مادين، سكورپيونز.
2 موسيقي ومنتج أميركي طليعي، وأحد أهم رواد الغِلام والآرت روك في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أنتج ألبومات للعديدٍ من الأسماء: تي ريكس، ذ موودي بلوز، پول مكارتني، موريسي. وهو أيضًا صاحب أطول تاريخ تعاون فني مع ديفيد بوي، عملا سويًا ما يزيد عن ٢٥ عامًا على مدار مسيرة بوي، أي نصفها، بدايةً من سپايس أويدتي، وهونكي دوري وذ مان هو سولد ذ وورلد، مرورًا بثلاثية برلين، وسكايري مونسترز، ثم انقطع التعاون ما يقارب ٢٢ عامًا، ليعود عام ٢٠٠٢ في ألبوم هيثن، ويستمر حتى النهاية.

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.