عالم دي سي الممتد: لماذا تأكل وارنر برذرز أطفالها؟

سارع الأخرق إلى وسطهم واخترقهم بنظراته. “أين الإله؟ صاح فيهم: أنا ساخبركم! لقد” قتلناه – أنتم وأنا! نحن جميعًا هم قتلته. (…) مات الإله، ويظل ميتًا. كيف سنعزي أنفسنا نحن أكبر القتلة؟ إن أقدس وأقوى ما ملك العالم إلى الآن قد نزف دمه بطعناتٍ مُدانًا – من سيمسح هذا الدم عن أيدينا؟ (…) ألا يجب علينا أن نصير نحن أنفسنا آلهة كي نبدو جديرين بهذه الفعلة؟”

نيتشه، العلم المرِح

في أواخر القرن التاسع عشر، تحدث الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في روايته “هكذا تكلم زرادشت” عن مفهوم الإنسان الأعلى، أو ما يسميه بالأوبرمينش، وقصد به الإنسان الأمثل أو ما قد يأتي به التطور الأبدي من قيم وسمات فردية، ليست جسدية أو بيولوجية، لا قدرات خارقة للطبيعة إنما تفوق فردي.

مع تطور المفاهيم وتبدل احتياجات الإنسان المعنوية، كان من الضروري أن يحل الإنسان محل أساطير السماء بعد موت تأثيرها أمام الثورات العلمية، ما جعل القصص المصورة تعيد إنشاء الأبطال الخارقين، بالتوازي مع الحربين العالميتين، وتستخدم الشخصيات المرسومة وقتها لإضفاء شرعية للقتال وإعلاءًا لقيم الأنظمة السياسية التابعة.

مثلًا، كان من الطبيعي أن ترى سوپرمان أو ووندر وومن أو حتى كاپتن أميركا، يشاركون كمحاربين في صفوف الجيش الأميركي، ويقاتلون النازيين، وهكذا. بدأت دي سي كوميكس وتبعتها مارڤل في التأكيد على إحلال الأبطال الخارقين محل الآلهة بتحريف أوسع لفكرة نيتشه، فصارت تؤكد على احتياج الإنسان لذلك الإنسان الأعلى الذي يتحول لمصدرًا للقيم العليا بعد أن فقد الإله القدرة على ذلك.

فارس نولان، النجاح ملاحقةً لشبح الخراب

قدم لنا نولان مؤخرة أنَّا هاثاواي في دور كات وومن، بلا شيء واحد يدل على كونها كذلك إلا الزي، بجانب مايكل كاين في دور وصيف عائلة واين، آلفريد بينيورث، ليظهره خادم عجوز هش، لا دور فعلي له في كهف الوطواط غير إلقاء الحكم الفارغة والعودة للبكائيات.

بينما كانت دي سي تحصد نجاح ثلاثية كرستوفر نولان، أدركت مارڤل ضرورة البدء في عالمها السينمائي الممتد، فبدأ التحضير لفيلم الرجل الحديدي، والذي سيصبح لاحقًا ضربة البداية لما على يوشك حاليًا على نهايته بهلاك أغلب أبطاله، ليبدأ فصلًا جديدًا بأوجه جديدة وروايات أخرى.

مع نولان كانت ثلاثية باتمان محاولة فردية، منفصلة كليًا عن محاولات دي سي لإنشاء عالمها الممتد بكامل أبطاله؛ لم يحاول نولان الرجوع كثيرًا للمصدر، أو القصص المصورة، لم يهتم بالتفاصيل الأساسية للشخصيات، نزعاتها ودوافعها، حاول أن يتخيل تلك الشخصيات كما لو كانت في عالمه الخاص. ورغم نجاح سلسلة نولان تجاريًا ونقديًا بأثرٍ يكاد يلاحقنا دويه حتى الآن، إلا أنه اخفق في الحفاظ على انتماء ثلاثيته لأفلام القصص المصورة، بالغ في واقعتيه حتى بلغت سينمائيته ما يقتل الخيال الملازم لهذه القصص، صارت أفلام جيدة بصريًا، تقدم باتمان/بروس واين، بحبكة درامية لكل محبي السينما، وليس لمحبي دي سي كوميكس، تقديم باهت، درامي بلا صراع حقيقي، بل أحيانًا تقدِّم باتمان أضعف مما يعرفه القارئ القديم، مجرد غني هزيل يمتلك ما يكفي من الثروة لصناعة أدواته، لا يقوى على استكمال قتال واحد للنهاية، بينما يتحدَّث بصوت هزلي مفتعل.

لم تمتلك ثلاثية نولان إلا أشرارها، الجانب الذي لا يد له فيه، لأن اختيار الممثلين كان جيد كفاية ألا يحتاجوا مساعدته؛ هيث ليدجر هو الذي عزل نفسه شهرين ليقدِّم أعظم أدواره، أما توم هاردي، فهو أحد المفضلين لنولان لأنه يستطيع أن يقدِّم دوره كاملًا في أي فيلم بدون أغلب وجهه، يكفيه العينين لتعرف أنه ممثل بارع.

لكن في المقابل، قدم لنا نولان مؤخرة أنَّا هاثاواي في دور كات وومن، بلا شيء واحد يدل على كونها كذلك إلا الزي، بجانب مايكل كاين في دور وصيف عائلة واين، آلفريد بينيورث، ليظهره خادم عجوز هش، لا دور فعلي له في كهف الوطواط غير إلقاء الحكم الفارغة والعودة للبكائيات، لا يساعد بروس في صنع أسلحة، لأنه عجوز آخر بلا خبرة عسكرية أو قتالية، عكس ما عرفنا منذ زمن.

ولأن النجاح التجاري هو كل شيء بالنسبة لوارنرز، ولأنهم لا يهتموا بالقيمة الفنية بقدر الترويج لمنتجاتهم حتى وإن كان الطريق لتحقيق ذلك هو إنتاج أفلام ذات ميزانية ضخمة تتعاظم شعبيتها وبالتالي أرباحها.. كان من العادي جدًا أن يخرج علينا كرستشن بايل لاحقًا بتصريحه المخيف أنه لم يقرأ أبدًا أيًا من قصص دي سي المصورة، ولم يشاهد قط أي فيلم قدمته الشركة نفسها ولا خلفية له عن أفلام الخارقين. هل هذا ما يفسِّر جمود أدائه وإصراره المميت على تقديم الوطواط كشخصية واقعية وضعيفة لا تملك أكثر من المال؟

زاك سنايدر، التحليق في سجن شفاف الجدران

جرَّاء هذا النجاح غير المسبوق لأفلام الخوارق، حاولت وارنر برذرز، المالك الفعلي لأفلام دي سي، إقناع كرستوفر نولان، بتمديد ذلك النجاح وإخراج الفيلم الأول من عالمها الممتد، مان أوڤ ستيل. لكنه بطبيعة الحال كان قد اكتفى بالعلامة التي تركها في هذا النوع من الأفلام، فرفض المشاركة كمخرج، واستبدله بالمشاركة كـ منتج تنفيذي بترشيحه زاك سنايدر لإخراج هذا الفيلم، مع بقاء فريق الأول مشرفًا على العملية الإنتاجية لضمان عدم خروج زاك عن المعايير التي تساهم في تحقيق ذلك النجاح التجاري مجددًا، فكان ذلك هو المسمار الأول في نعش تلك المحاولة قبل حتى أن يشرع زاك في تقديمها، بتقييد حرية المخرج في رسم الصورة الكلية للعمل كما يتخيله وكما يبتغيه.

أظهر زاك سنايدر سوپرمان كمسيحٍ يكرهه العالم، تخافه الحكومات ولكنه ليسمو عاليًا، لا يتردد بالتضحية من أجل حماية الوجود الإنساني، حمَّل سنايدر سوپرمان ألم الوجود كإله بشري معذَّب، بلا دعاية أميركية مكررة لذلك الحلم الوردي البائس.

لم يكن ذلك الحضور الأول لزاك سنايدر، المولع بالقصص المصورة ودي سي كوميكس، فسبق وقام بإخراج ذ واتشمِن، الذي حتى وإن لم يلاحظه الكثيرين، كشف عن توجهًا جديدًا على وشك الخروج إلى النور، أكثر سوداوية وواقعية ممن سبقوه في تقديم أفلام الأبطال الخارقين، ما يحفظ لهم قواهم الخارقة، ويضيف لهم أبعاد أكثر بشرية تمت للواقع الذي نعيشه بصلة أكثر من أي وقتٍ مضى.

أتى زاك سنايدر مدركًا ما قصده نيتشه في مفهومه عن الإنسان الأعلى، فقدم عملًا مختلف كليًا عما اعتاده الناس في سلسلة نولان أو ما قدمه تيم برتون كأول محاكاة جادة للشخصيات دي سي.

بمساعدة كاتب الفيلم، ديڤيد غوير، أظهر زاك سنايدر سوپرمان كمسيحٍ يكرهه العالم، تخافه الحكومات ولكنه ليسمو عاليًا، لا يتردد بالتضحية من أجل حماية الوجود الإنساني، فهو ليس ذلك البطل الحالم الهائم على وجهه لينقذ الجميلات والحيوانات الأليفة، وليس ذلك المتبسم. حمَّل سنايدر سوپرمان ألم الوجود كإله بشري معذَّب، بلا دعاية أميركية مكررة لذلك الحلم الوردي البائس.

بدا ذلك التقديم مخيفًا، لأنه -نظريًا- يُمهِّد لثورة مطلقة على كل الأشكال اللي يعرفها المشاهد والقارئ للشخصيات التي لطالما أحبها، هي تلك الحرية الجميلة، تلك الحرية المُدمرة، تلك التي لم تكتمل.

نولان المثالي الواقعي الممل، لا يريد لسوپرمان تقديمًا بديلًا، بينما يحاول زاك سنايدر تقديم صورة أكثر سوداوية مما سبق، حتى مع أكثر الشخصيات خفة وبعثًا للأمل. لهذا لاحق فريق نولان كل محاولات زاك في تقديم سوپرمان كما يحب، فأصبح يناقش كل تفاصيل الشخصية معه قبل تنفيذها ويحاول جاهدًا أن يصل منه إلى موافقة أخيرة، حتى حينما قتل سوپرمان زود، لم يتم ذلك إلا بموافقة صعبة أخيرة نزعها زاك من أنياب نولان، مع أن قرار تلفيق مبدأ عدم القتل جاء من البداية أثرًا رجعيًا للخراب الذي تبع الحرب العالمية الثانية، كنوع من الرقابة الأخلاقية على المحتوى، مجرد تماهي أعمى مع رغبة عامة بألا نرى المزيد من القتل، ذلك رغم أن كل شخصيات دي سي كانت تقتل أعداءها قبل ذلك القرار، انقلب الوضع وأصبح المبدأ العام والأكثر ابتذالًا هو عدم قتل البطل للشرير، مهما أدى بوجوده إلى فوضى لا تأتي إلا بعدد لا يحصى من الضحايا.

رغم اضطراب نجاح مان أوڤ ستيل نقديًا، امتلك زاك سنايدر صورة كاملة عن مستقبل ذلك العالم، وبدأ التحضير للجزء الثاني من فيلمه. حاولت وارنر برذرز قبلها إقناع كرستشن بايل بالعودة لباتمان في عالمه الجديد، لكنه أيضًا كان قد اكتفى بما قام به خلال ثلاثية نولان، فرفض عرضًا بخمسين مليون دولار؛ ليقع الاختيار بعدها على بن أفليك وعلى أثره هجوم إعلامي شديد، استنادًا على دوره المريع في فيلم ديرديڤل الذي قدمه لمارڤل. لكن بصدور الحملات الدعائية للفيلم، ظهر جليًا أن اختيار زاك سنايدر لأفليك في محله. وأن الأخير على وشك أن يقدم أفضل شكل سينمائي للرجل الوطواط.

نحن من صلبنا الإله

كانت المغامرة هنا بالنسبة لزاك، أن يلطخ يد باتمان بالدماء، بجعله بشرًا أكثر من أي تجسيد سابق، بل حتى يمهِّد لهاجس كابوسي لمستقبل فاشي يحمله سوپرمان إلى العالم، حيث يخضع لدارك سايد في مواجهة باتمان

باتمان ضد سوپرمان: فجر العدالة، الفيلم الذي جاء قاتمًا ومختلفًا تمامًا عما عرفه الجمهور، جاء محملًا بمصادر شتى من عالم دي سي المتعارف عليه في قصصها المصورة، وسلسلة ألعاب باتمان أركم. جاء قويًا وسوداويًا يمت بصلة لعالمنا أكثر مما مضى، يبرز أوجهًا لم نعرفها لذلك الوطواط، فهذه المرة نحن أمام بروس واين الذي ما لبث أن تخطى موت والداه، حتى رأي الجوكر يقتل دِك غرايسون، أول روبين له، مع ازدياد الخسائر، تراه أعنف وأكثر غصبًا واضطرابًا، تراه قاتلًا متعطشًا للدماء، يفقد بوصلته الأخلاقية في مواجهته لسوپرمان، ليكون هو نفسه مصدر الشرور، أكثر بُعدًا عن نفسه وعن كل المبادئ التي لطالما حملها.

كانت المغامرة هنا بالنسبة لزاك، أن يلطخ يد باتمان بالدماء، أن يجعله يمر بما هو أصعب حتى يواجه أسوأ ما فيه، بجعله بشرًا أكتر من أي تجسيد سابق، بل ويمهِّد لهاجس كابوسي لمستقبل فاشي يحمله سوپرمان بقبضته على العالم، حيث يخضع لدارك سايد في مواجهة باتمان، ويحرِّك قواته للقبض عليه، تلك القوات التي تحمل شارة سوپرمان على الأكتاف، إشارة بارعة لقوات الصدمة النازية.

كره رجل الأعمال ليكس لوثر مفهوم الإله منذ صغره، منذ بدأ والده بانتهاكه وتعذيبه خلال طفولته، فقتل والده وكبر ليتضخم كرهه فيتحول لدافع ومُحرِّك لإطلاق شروره وتدمير الآلهة البشرية المتمثلة في سوپرمان، عبر خلق سبب للصراع بينه وبين باتمان، رجل الأعمال الغني متعدد الفنون القتالية والأسلحة، لذلك جاء شعار الفيلم “الإله في مواجهة الإنسان”.

في النهاية يموت كلارك كينت/سوپرمان في مشهدية ملحمية تحمِّل الوجود الإنساني كله دمه، يصُلب من أجل آثام البشر مرة أخرى.

لم يكن سوپرمان في منظور بروس واين أكثر من مجرد آلة مُدمرة، إله أعمى، بلا قوة عليا لتسيطر عليه، بلا أبعاد بشرية، أو إنسان يعيش من أجله، لم يعرف المعاناة قط، لطالما كانت هذه تحديدًا هي مأساة بروس منذ مقتل أبواه في طفولته، ذلك المحرك الخفي، الحقد. بينما يرى كلارك باتمان كمجرم يمارس جنونه على العالم، يوصم أجساد المجرمين بختمِ يحمل شعاره ويمارس دور المُعاقِب بلا سلطة أعلى تحاسبه. يستغل لوثر ذلك الصراع الأيديولوجي وتلك الثغرات المدفونة في نفس بروس واين حتى يحُرك كل الظروف نحو أن يتقاتل الجبابرة، كان يعلم جليًا أن مثل هذا الحدث قد يودي بحياة الاثنين معًا، وهو ما أراده بالفعل.

يكف باتمان عن قتال سوپرمان فور سماعه اسم “مارثا” أم كلارك كينت/سوپرمان، والذي هو أيضًا اسم أم بروس واين/باتمان التي لطالما عاش محملًا بألم عدم قدرته على حمايتها هي ووالده، الأمر الذي يمُتُّ لأعماق أكثر تخفيًا في نفس بروس، أكثر كثيرًا مما بدى للمُشاهد السطحي والنقاد المتعجرفين المتعلقين بحنينهم الأعمى إلى الماضي.

بسماع بروس اسم مارثا، يدرك أنه الشر الوحيد في المشهد، وأن صراعه النفسي قد تملَّكه وحوَّله لأداة في يد طفل أبله كلوثر، أدرك أنه كان على وشك قتل قيمه الإنسانية ووضع ذاته في نفس موضع قاتل والديه.

توقف باتمان عن قتال سوپرمان لأنه ادرك أنه ليس في مواجهة ذلك الإله التي حمَّله ألمه، بل أنه في مواجهة أوبرمينش/إنسان أعلى يحمل قيمه الإنسانية ويعيش من أجل أمه ومن يحب.

في النهاية يموت كلارك كينت/سوپرمان في مشهدية ملحمية تحمِّل الوجود الإنساني كله دمه، يصلب من أجل آثام البشر مرة أخرى، ثم يصعد كلًا من باتمان ووندر وومن لينزلا جسده الدامي من على الصليب، بينما تتجلى ثلاثة صلبان في الخلفية.

ومنين نجيب الصبر؟

لكن اختيار جيسي آيزنبيرغ لدور ليكس لوثر هو الخطيئة الأسوأ بعد اختيار غال غادوت، لأنه مهما كان بارعًا، لا يستطيع أبدًا ولو لمرة واحدة أن يخرج شخصه وتعايشه مع الوساس القهري عن أي دور يؤديه.

نجح زاد سنايدر بشكل درامي جدًا في إعادة تقديم باتمان عبر بن أفليك بمنتهى الدقة، فمثلًا في سلسلة ألعاب باتمان أركم، نعرف أن باتمان يستعمل تسعة عشر فنًا من الفنون القتالية خلال معاركه، من بينها: الملاكمة، الجيوجيتسو، المواي تاي، الجودو، الكالي، الآپكيدو، الكاراتيه.

كان زاك قادرًا على إعادة التأكيد على ذلك في مشهد معركة باتمان الملحمية بالمخزن لإنقاذ مارثا، فاستعمل منهم زاك ومصمم المعارك القتالية في الفيلم عشرة فنون قتالية بالإضافة إلى عدم تجاهله معدات باتمان التي ظهرت بكامل عددها، مع إمكانيات زاك البصرية واختيار ملائم لمكان التصوير، لتخرج أعظم مشاهد القتال في تاريخ أفلام دي سي، وأكثرها شراسةً.

لكن اختيار جيسي آيزنبيرغ لدور ليكس لوثر هو الخطيئة الأسوأ بعد اختيار غال غادوت، لعوامل كثيرة أهمها أن جيسي مهما كان بارعًا، لا يستطيع أبدًا ولو لمرة واحدة أن يخرج شخصه وتعايشه مع الوساس القهري عن أي دور يؤديه وهذا مفهوم جدًا. لم يكن جيدًا أبدًا أن أرى رجل الأعمال كامل النفوذ والطغيان لوثر، طفولي يعاني من اضطرابات وهلاوس، لم يكن من الطبيعي أن يتم بناء صراع أبطال الفيلم على رغبة مراهقة لدى لوثر في خلق صراع، الأمر ليس ببساطة تحريك الدمى.

مشهد قتال المخزن، من فيلم دون أوڤ جاستس

ظهر تسارع خطوات دي سي لمواكبة سير مارڤل مرة أخرى رغم الفشل الذريع، ومحاولة رهيبة لضخ أكبر عدد من الأفلام في عامين فقط.

لكن لو أحصينا عدد الأخطاء الكارثية التي وقع فيها الفيلم من حيث الكتابة والتقديم وحتى اختيارات الممثلين، قد ينهكنا الأمر غضبًا. بمجرد أن ندركها تضع علامات استفهام مخيفة حول ما حدث في كواليس الإنتاج، وحول تدخلات وارنر برذرز.

خرجت لاحقًا تقارير تفيد أنه بعد انتهاء ديڤيد جوير من كتابة سيناريو الفيلم، وخلال عملية تصويره، قام الستديو بتعيين كريس تيرو بترشيح بن آفليك لإعادة كتابة السيناريو مع تعجيل الإنتاج والإعلان عن تواريخ متضاربة للإصدار، ما يعني أن التعديلات ظلت تدور عشرات المرات بدون أدنى دراسة للعملية الإنتاجية.

طلبوا إعادة كتابته كليًا على عجلة لموازاة إصدار مارڤل لـ كاپتن أميركا: سيڤل وور، حيث الرجل الحديدي في مواجهة كاپتن أميركا.. وخلق ثغرة ما في السيناريو لتقديم شخصية وندر وومن عبرها وتمهيد ظهور الجاستس ليج في فيلمٍ لاحق. بمعنى أخرى، أرادت وارنر ملاحقة عشرة أعوامٍ من التخطيط والنجاح المستمر لمارڤل بثلاثة أفلام فقط وخلال مهلة زمنية تقل عن العامين.

الخطة الآمنة والتسارع الأبله

بعد ذلك الفيلم جاء الإعلان عن بداية إنتاج فيلم ووندر وومن ليصدر العام التالي، في بطولة غير معهودة لعارضة الأزياء محدودة الموهبة غال غادوت، واختيار جاريد ليتو ليقوم بدور الجوكر في فيلم سويسايد سكواد الذي سيصدر بعد خمسة أشهر فقط من فشلهم الأخير، خلال ذلك ظهر تسارع خطوات دي سي لمواكبة سير مارڤل مرة أخرى رغم الفشل الذريع، ومحاولة رهيبة لضخ أكبر عدد من الأفلام في عامين فقط. لم يضع ذلك التسارع الأبله غير المحسوب في حسبانه الفروق الإنتاجية واختلاف المعايير وحتى حجم الخطة الطويلة المسبقة التي وضعتها مارڤل قبل ضربة البداية.

في المقابل عند دي سي، أمهل الستديو ديڤيد آير، مخرج الفيلم ستة أسابيع لكتابة سيناريو كتيبة الانتحار، بدون إعادة كتابة أو تعديلات، ثم تدخلوا مرة أخرى في عملية الإخراج والمونتاج وقرروا صناعة نسخة أخرى من الفيلم بعد أن انتهى آير كليًا منه، نسخة أكثر خفة في مقابلة لنسخته الأصلية التي كان قد رسم أبعادها ومسارها لأجزاء أخرى.

مع طرح وندر وومن كانت كل التوقعات أن يخيب الفيلم كتلك المهازل التي سبقته، كان أسبوعه الأول ضعيف تجاريًا، لكن الدعم النقدي كان واضحًا وإيجابيًا عكس المتوقع من فيلم لدي سي.

أتى ذلك كردة فعل مندفعة بعد تلاحق هجوم النقاد على نبرة الأفلام السوداوية، فأعتقدوا أنه لا خيار متاح أمامهم إلا استعمال معادلة المنافس كي يضمنوا النجاح، أو ما أعرِّفه أنا بالبلاهة والساذجة والإفراط في الرغبة البائسة لتحويل أفلام الخوارق إلى أعمال ترفيهية كوميدية، الفيلم الذي وصل إلى نقطة ما من البؤس تجعلني احترم إنتاج مارڤل الذي لطالما بدا لي مترهلًا ولم يعتدل إلى عند اقترابه من النهاية.

قامت وارنر برذرز بالدعاية للفيلم مستخدمةً شخصية الجوكر بممثلها جاريد ليتو، لتقوم لاحقًا بحذف أغلب دوره من الفيلم، تحول الفيلم إلى سخافة كرتونية وفصول من المبالغات وتضارب النبرات والسرديات واحدة تلو الأخرى، حتى أن شركة تريلر پارك -إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الإعلانات بهوليوود- هي التي قامت بعملية المونتاج للفيلم، وليست ستديوهات وارنر برذرز.

لم يتوقف الأمر عند ذلك الكم من الخراء، فجاءت الحملات الترويجية للفيلم محملة بعدد كثيف من أغان البوب والراب والهيب-هوب، محاولة منهم تقليد المنافس، غارديانز أوف ذ غلاكسي، لكنه مجرد حشو بلا معنى أو غرض سردي أكثر من تسهيل جذب المراهقين بموسيقى السوق ذاته، بينما لم يحمل الفيلم أي موسيقى تصويرية مميزة، فقط تلك الأغاني المفتعلة.

مع طرح وندر وومن كانت كل التوقعات أن يخيب الفيلم كتلك المهازل التي سبقته، كان أسبوعه الأول ضعيف تجاريًا، لكن الدعم النقدي كان واضحًا وإيجابيًا عكس المتوقع من فيلم لدي سي، فصار الفيلم رغم سطحيته واحد من أكثر الأفلام نجاحًا على المستوى التجاري خلال هذا العام الحافل.

خرجت لاحقًا تقارير مفجعة تفيد طرد زاك سنايدر بعد انتهاء تصوير الفيلم، واستغلال الشركة وفاة ابنته كغطاء تعلن عبره انسحابه للوسائل الإعلام.

من فيلم سطحي للمخرجة پاتي جنكنز، لضحالة أداء غال غادوت التي لا تعرف شيئًا واحدًا عن التمثيل، سيناريو عابر بلا أدنى أهمية أو لحظة للوقوف عندها، تكرار غريب لتيمات فيلم كاپتن أميركا الأول، لكن ماذا عسانا أن نقول؟ فيلم ناجح تجاريًا ونقديًا لدي سي وسط حطام لا حصر له؟ فليكن، حاولت أن أعتبر ذلك خطوة إلى الأمام، كواحد من محبي دي سي وأحد المتحمسين سابقًا لما كنت أتوهمه مشروعًا لعالمها الممتد.

إنا نحن نجمع الأبطال، وإنا لهم لقاتلون

لنقف عند جاستس ليج، أو ما كان يفترض له أن يكون الإنتاج الأقوى والأكثر اكتمالًا في حلقات العالم الممتد. فبينما تنتهي مارڤل من إنتاج الجزء الأول من ملحمة المعركة الأخيرة لينتهي عنده شكل عالمهم الحالي الذي نعرفه، بدا أن دي سي تتجاهل حقيقة أن الأمر ليس بسباق، وأنه لا ضرورة من تكرار نفس التجارب، أو السير على خطى المنافس، ثم صار الكابوس مؤكدًا بعد خروج تقارير تفيد أن جاستس ليج سيكون أكثر خفة من الأفلام الماضية.

بالتدريج ظلت الشائعات تحاصر تواجد زاك سنايدر في المشروع، وتحديدًا بعد تعاقد وارنر برذرز مع جوس ويدن، كاتب ومخرج أول جزئين لـذ آڤنجرز. بعد صدور وندر وومن، أعلنت الشركة انسحاب زاك سنايدر من إخراج فيلم جاستس ليج، بعد فاجعة موت ابنته.

كان التحليل الأولي لما حدث، هو أن وارنر برذرز ورئيسها كيڤين تسوجيهارا استغلا رحيل زاك ليقوموا بإعادة تصوير الفيلم كليًا بعد أن كان قد انتهى من تصويره، وتعيين جوس ويدن لتلك المهمة، بدون مد فترة التصوير أو تأجيل تاريخ الطرح بشاشات العرض. مع التأكيد على أن جوس “لن يقوم بأكثر من تعديلات طفيفة” وهو ما لم يحدث أبدًا.

ثم خرجت لاحقًا تقارير مفجعة تفيد طرد زاك سنايدر بعد انتهاء تصوير الفيلم، واستغلال الشركة وفاة ابنته كغطاء تعلن عبره انسحابه للوسائل الإعلام، مع ترك اسمه عمدًا لتبقى لجوس ويدن فرصة أخرى مع باتغيرل، إذا أخفقت تعديلاته على جاستس ليج، ويُصَب اللوم كليًا على سنايدر، فتضمن الشركة بذلك فرصة أخرى لتحقيق أي مبيعات للأفلام القادمة.

خرج الفيلم كليًا من إخراج جوس ويدن، لكن باسم سنايدر عليه، رغم أنه لا يمت بصلة لما قام زاك بكتابته وتصويره وتسليمه للشركة المنتجة، ولا يمت بصلة لما مهد له زاك في أفلامه السابقة في العالم الممتد، فتجاهل الفيلم الصراع المنتظر بين باتمان وداركسايد، وعودة سوپرمان كخصم في صفه ضد فريق العدالة، تجاهل جوس ويدن حتى المشاهد التي ظهرت في الإعلانات التشويقية، وقام الستديو بحذفها، لم يقدم الفيلم خلفية كافية عن الشخصيات، ولم يبرر عودة سوپرمان ولم يقدر حتى على خلق شر حقيقي تخافه أو تشعر بتهديده طوال مدة العرض.. تمامًا كما فعل وودن في سابق مهزلته مع عصر أولترن، كل ذلك بجانب إصراره العفن على فرض المحاولات المستميتة لخلق كوميديا في كل مشهد، حتى ترى ذكورية وودن الأبله المعتادة في مشهد سقوط فلاش على صدر وندر وومن بلا أدنى داع أو سياق مفهوم، غير أنه يحب ذلك وكرره أكتر من مرة في أفلامه السابقة، وهذا بطبيعة الحال ما كان يجب توقعه من مخرج لم يجد محاكاة سينمائية لبلاك ويدو إلا كاهتمام عاطفي وتوتر جنسي في حياة ذ هالك.

دُمر فيلم زاك سنايدر ولم يحترم الستديو مشروعه أو يحفظ له حقه في صناعة فيلمه بدون تدخلات إنتاجية، حذفت القصة الأصلية بأكلمها، لم يظهر سوپرمان كخصم كما كان من المفترض له من البداية، لم يظهر في حلته السوداء، خرجت بعض التقارير منذ أيام تفيد أن ذلك الخط من القصة تم حذفه في تعديلات الستديو، داركسايد وهو أكبر شرور عالم دي سي لظهوره المنتظر أبد الدهر تم حذفه، دور كامل لوليام دافو تم حذفه، مشهد قتالي طويل لباتمان على نفس شاكلة مشهده الملحمي في فيلمه الأخير، بمعنى آخر تم حذف كل ما كان مفترض له أن كان في نسخة زاك.

لم يرحم الخراب باتمان، قدَّمه آفليك في فيلمه الأول عظيمًا، غاضبًا، يتحدى الإله ويسأله “قل لي، هل تنزف؟” ثم يريق دمه. انتهى به الفيلم هنا إلى غير المعلوم، فقدم دور غير ملموس، بالكاد نلاحظ وجوده، ونراه ضعيفًا، هزيلًا يسخر من ذاته قائلًا: بالطبع شيئًا ينزف. في إشارة بائسة لتحديه الأول.. هذا ليس باتمان الذي شاهد الجوكر يقتل دك غرايسِن أو يُقعد باربرا غوردِن.

بينما فلاش الذي يقدمه إزرا ميلر مبالغٌ في افتعاله وفي رغبة الكاتب المميتة في بناء كوميديا الفيلم المنحطة على شخصه الهزلي، أما جاسون مموا لم يقدم ما يكفي للحكم عليه، لكنه على الأقل يظل أفضل من غال غادوت، المفروضة دائمًا على الفيلم، رغم أنها لم تكن ممثلة ناجحة يومًا، بل أنها حتى كادت تعتزل التمثيل قبل أن يعرض عليها زاك ذلك الدور.

خسر الفيلم تجاريًا ونقديًا، وخسرت دي سي محاولة أخرى، وخرجت تقارير أخرى تفيد بتحاولات داخلية في كيان الشركة، بدون أي اعتراف فعلي بسبب المشكلة الحقيقي، وهو تدخل وارنر برذرز في عملية الإخراج. لذلك حتى مع التوقعات برحيل بن أفليك وتمهيد تبديله بممثل آخر عبر الاعتماد على قصة فلاش پوينت، وتحليلات أخرى باحتمالية رحيل هنري كاڤل عن دور سوپرمان، لا أرى أي أمل في نجاح محاولات دي سي هذه المرة، لا في أكوامان، ولا شازام، لا أمل إلا في إحياء نسخة زاك سنايدر واستكمال عالمه كما أراد له أن يكون، أو أن يتم دفن أشلاء هذا العالم الممتد بلا رجعة.

#ReleaseTheSnyderCut

اترك رد